قاعدة ذهبية في الفروسية

 



هناك بعض الأمور ـ مع أهميتها ـ فإنها تستند علي أمور أشد منها أهمية مع كونها ليست مشتهرة، ولا تحظي بنصيب من الاعتناء والتركيز، بل قد يستخف بها البعض، ومن ذلك؛ استناد جودة أداء صعود الفارس علي ظهر الحصان علي قاعدة ثبات الحصان، فإن كانت لحظة صعود الفارس على ظهر الحصان تبدو أمرًا بسيطًا وعابرًا، لكنها في الحقيقة لحظة تحتاج إلي تأسيس لمعادلة دقيقة من الثقة والانضباط والانقياد النفسي. 

إن الامتطاء ليس مجرد حركة انتقال من الأرض إلى السرج، بل اختبار مباشر لمدى رقي تأديب الفارس لفرسه من عدمه.

ومما لا يخفى علينا جميعا، أن هناك الكثير من الخيول لا تكاد تقف للراكب، فيحتاج الراكب إلي اثنين من المساعدين بل ثلاثة في بعض الأوقات، وليس هذا بعتب علي الخيول بل إنه قد صار محمدة لوصف مثل تلك الحال بأنها خيول حارة نارية الدماء، وياللأسف، فإن الأصل غير ذلك، فقد أجمع أعلام الفروسية من الراضة علي مر العصور ،أن ثبات الحصان عند الركوب هو الأساس الذي تُبنى عليه هذه العلاقة بين الفارس والجواد. فالحصان الذي يتحرك أو يضطرب أثناء امتطاء الفارس هو حصان لم يتأدب بعد، وأن الفارس الذي لا يُدرك هذا الخلل _ أو يتساهل معه _ قد يُعرض نفسه وحصانه للخطر، أو على الأقل للفوضى في التدريب والعروض وغير ذلك من ميادين الفروسية التى تجمع بين الفارس والجواد.




وعند النظر في وصايا الراضة بهذا الصدد نجد أن محمد بن يعقوب يضع هذه القاعدة الذهبية محل اهتمام، حيث أنها تتجاوز عنده باب تعليم فن إلى بُعدٕ سلوكي وأمني، إذ يقول:

"فإذا ركبت وصرت في ظهره _ أي الحصان _، فقف عليه ساعة لا تتحرك حتى يسكن تحتك، وتعتاد تلك الوقفة، وهي عادة يحتاج إليها الملك وكل الناس..." 

فها هو ذا الرايض المخضرم يضع لك مفتاح الثبات، ويوضح لك أهمية هذا الأمر واحتياج الجميع إليه، ثم يصور لنا مثالا، فيقول:

"أما الفارس إن خلا بدايته فأراد ركوبه فلم تقف وكان عليه سلاح، لم يمكنه ركوبه، فكيف غير الفارس ؟!"

ثم يكمل حديثه محذرا، ومؤكدا علي بؤرة التركيز، فيقول:

"وإياك أن تعود الدابة الاضطراب عند الركوب، فإنها عادة سوء، ربما لحّ الدابة في ذلك فلا يسكن."

فهذه الوصية ربط فيها محمد بن يعقوب بين السكون، واللباقة والقيادة، والتأديب، والوظيفة.

ويخبرنا بسياق كلامه أن هذا يترتب عليه الانضباط ودماسة خلق وحسن مظهر الفارس، فيقول:

"وإذا ركبت فوقفت الوقفة التى وصفت لك، سويت ثيابك ليسكن ثم ....." فيأخذ السياق بوصف التحرك والهدوء.

وقد أكد الكابتن ريكاردسون علي هذه القاعدة في الصعود والنزول كذلك، حيث قال : 

"يجب عدم السماح للحصان بالحركة حتى يكون راكبه مستعدًا تمامًا للعمل. ويجب تعليمه الثبات عند الركوب والنزول....

إن هذا الدرس الضروري جدًا سيزيد من طواعية الحصان وسلامته"

 وهذا ما أكد عليه جون آدامز في قوله: 

"ودرب حصانك على أن يظل واقفًا حتى تطلب منه أن يتحرك."

ولقد أرسى زينوفون هذه القاعدة في كلامه حيث قال, فيما نقل عنه:

 "ينبغي تعليم الحصان ألّا يتحرك عندما يكون الفارس بصدد أخذ مقعده، وأن يبقى ساكنًا حتى يسحب الفارس ثيابه من تحته, ويسوي اللجام، ويقبض القبضة الأنسب على رمحه."

وقال زينوفون أيضا :

"وبعد أن يصعد الفارس على ظهره، ينبغي أن يبقى ساكنًا أكثر من المعتاد."

فمقتضى كلامهم أن الحصان الذي لا يقف ساكنًا،  يُعدّ عبئًا علي الراكب، وخطرًا في ميادين المنافسة، ومزعجًا في ساحة التدريب، ومرفوضًا في نظر التحكيم.


وباستدعاء خبرات مختلفة، يأتينا كابتن فان جريلمن بنصائحه التدريبية، وتعليماته الصريحة، فنجده يدعم نفس القاعدة، فيقول :

"ضرورة أن يقف الحصان تمامًا بلا حركة أثناء الركوب. فلا ينبغي تحت أي ظرف السماح للحصان بالحركة قبل أن يستقر الراكب على ظهره..."

ويؤكد علي سرعة تدارك خطأ الحصان، فيقول:

"يجب تصحيح كل محاولة من الحصان لمغادرة الموضع، باستخدام نبرة صوت حازمة، ولمسات لطيفة، وإن لزم الأمر ضربة واحدة بالسوط."

وذلك من باب العلاج والتأديب، أما باب الوقاية فقد ذكره المُقدَّم بلاك بيلير، حيث يقول :

"يُفضل عمومًا أن يتجنب الفارس جعل الحصان يبدأ السير فورًا بعد أن يمتطيه، حتى لا يرتبط فعل الركوب في ذهن الحصان بالحركة إلى الأمام..."

فهو يوضح أن الأمر قد يصبح عادة سيئة، وهو ما حذر منه محمد بن يعقوب في كلامه السابق.

ويرشدنا كابتن فان جريلمن إلي فلسفة في التدريب، تجعل الحصان يحب الثبات بل ويرتاح إليه، فيقول: 

"ومن المفيد في البداية أن يُختتم العمل بدرس الامتطاء، ثم يُعاد الحصان إلى الإسطبل كمكافأة له."

فهو هنا ينصح أن نختتم التمرين اليومي بتعليم الحصان الثبات عند الامتطاء، وننهي التمرين بذلك ، مما يجعل الحصان يستشعر الاطمئنان للحظة الامتطاء.

ذلك وإنه من العدل والإنصاف أن يتحمل كل طرف ما عليه، فكما أننا ننظر إلى رد فعل الجواد ، فقد يكون فعل الفارس هو السبب، وهو ما حذر منه  إدوارد أندرسون، في تنبيهه على الأخطاء الخفية عند الركوب، إذ يقول:

 "فعليه _ أي الفارس _ أن ينتبه إلى عدم إثارة الحصان بركله بسنّ قدمه اليسرى، أو ضربه على مؤخرته أثناء تمرير الرجل اليمنى فوق ظهره."

إن ما تم نقله في هذا الباب، غيض من فيض، وبعض اكتشاف لخبرات السابقين علي مر العصور ،سواءً ما قاله محمد بن يعقوب في بلاط الخليفة المعتضد، أو ما وصى به زينوفون تلاميذه في أثينا، أو ما علّمه مدربو سلاح الفرسان الأوروبيون في القرن التاسع عشر مثل فان جيلمن وبلاك بيلير وإدوارد اندرسون، فنجد أن الكل يؤكد علي قاعدة واحدة:

لا تركب إلا على حصان ساكن.

لأن السكون هو بداية الانضباط، والانضباط هو جوهر الفروسية، وإن الاضطراب الشديد للجواد عند الامتطاء، بمثابة رسالة تحمل كل معاني القلق والخوف.

عزيزي القارئ إن هذا الاتفاق العابر للعصور والثقافات يعلّمنا أن بعض القواعد لا تُبتكر، بل تُكتشف، لأنها ببساطة، مستمدة من خبرات الراضة الأولين.

مع تحيات الأكاديمية الكلاسيكية للفروسية 

الثلاثاء 4 صفر 1447 هـجرية

حدث في مثل هذا اليوم 

648 هـ : جلاء الحملة الصليبية السابعة عن المنصورة، بعد هزيمتها وأسر لويس التاسع ملك فرنسا.


تعليقات