المشاركات

العنان (3)

صورة
  إكمالا لما بدأناه من فنون ومهارات استخدام العنان، نصل إلي مقالنا الثالث في هذا الباب الهام الذي ينبغي علي كل فارس ورايض أن يتقنه علما وعملا، فلفد لاقى هذا الفن اهتاما بالغا في مدارس الفروسية قديما وحديثا كتأصيل وممارسة، وتطوير وإتقان. وقد أشرنا في مقالات سابقة عن بعض مصطلحات هذه المهارة، ومدى التطابق في اللفظ والمعنى والأداء بين المدارس التراثية لروادها مثل؛ الرايض الكبير محمد بن يعقوب رحمه الله، ومن بعده من راضة الخيول ومن الفرسان أمثال البلخي وابن أبي هذيل وغيرهم، والكلاسيكية لروادها مثلا لاغيرينيير وأستاذه دي بلوفينيل، وبوشيه وغيرهم. ومن هذه المصطلحات، والذي سوف نبدأ به، ألا هو قول محمد بن يعقوب : "وينبغي أن يكون يجد طعم اللجام ومسه ". أي: الحصان  وقال :  "أن يجد مس اللجام في فيه".  وهو يقصد أن يكون فم الحصان علي تواصل دائم بيد الفارس عن طريق العنان، فإن هذه المهارة تعتبر بمثابة مفتاح عملية التواصل بين المرسل والمستقبل، فعندما يستشعر الجواد لمسات أنامل الفارس دائما، فسوف يبقى منتبها مستعدا للأوامر، وكذلك عندما يضع الفارس جواده في وضعية منضبطة، يجد راحة وتناغم ت...

العنان (2)

صورة
 إكمالا لموضوعنا عن أهمية العنان وإتقان مهاراته المتنوعة وأنه أمرٌ ينبغي أن يُحسنه الفارس والرايض، فإننا نخطوا خطوات هادئة داخل هذا الفن لنتعرف عليه أكثر وأكثر، وذلك لأنه أصل أصيل في الفروسية، لا غنى عنه، فمنذ نشأة هذا العلم؛ والفرسان ينشغلون بتعاليم هذه المهارة ألا وهي استخدام العنان كمساعدة للخيول أثناء الركوب او في التمارين الأرضية. ومن النقاط المهمة والتى ينبغي علي الفارس ان يلم بها إلماما قدر المستطاع ألا وهي : إمساك العنان بيدين وبيد واحدة. وقد قيل : "أن العرب تمسك العنان بيد واحدة ولا تمسكه بيدين أبدا" وهذا ليس مدحا لهم، بل هو وصف العرب بنقص الفروسية لا بتمامها، فالفارس الماهر عند العرب هو الذي يؤدب جواده بلجام وبرسن بغير لجام، ويؤدبه علي فهم أوامر العنان بكل يد علي حدة، وبهما معا، وبالعنان مجتمع في يد واحده، بل وبلا عنان . وقد وجدنا هذا مسطورا في علومهم، فقد قال محمد بن يعقوب: ثم خذ عنانك بيديك جميعاً، وعدل به رأس فرسك وقال أيضاً: فإذا استويت في السرج وأصلحت ثوبك، جمعت يديك في العنان قدام قربوسك .... وقال في موضع الكلام عن حبس الدابة وهو إيقافها: ولا تطول من جانب، أو ...

العنان (1)

صورة
في تسلسل مهارة الركوب، من الطبيعي والمنطقي بعد أن يجلس الفارس علي صهوة جواد، عُرْيا أو في السرج، أن يُحسن استخدام العنان فهو للفرس كالميزان في يد الفارس، ولذلك فقد أطال الرّاضة _ في شتى مدارس وفنون الفروسية _ الكلام عن فنون استخدام العنان، ونحن في هذا المقال نبدأ بتناول خبرات الرّاضة عبر العصور المختلفة، ساعين إلى توضيح وممارسة وإتقان هذه المهارة قدر الإمكان. وكما تعودنا أن نبدأ بأستاذنا الرايض الكبير محمد بن يعقوب رايض خيول الخليفة العباسي المعتضد بالله، فها هو يقرر أن هذه المهارة تعتبر بمثابة مهارة تمايُز بين الفرسان، فيقول: والناس يختلفون في ذلك على قدر البصيرة والتأني وحسن الحيلة، واللطف في مداراة العنان وإرساله وإمساكه ومَدّه من النواحي بأنواع المدّ من الشِّدة والضعف. وأشار إليه في مواضع متنوعة في كلامه، وذكر أنه واحد من الثلاثة أمور الضرورية لإحكام الفارس للركوب، فيقول : ويَستَحْكم ركوبَه بثبات رجليه في الركاب، وإلزام فخذيه للسرج، وحذقه بإمساك العنان، وتعهده له . وينصحنا أيضا بقوله: وتَعَهَّد عنانَك فإنه نفسُ الفروسية في كل فنٕ منها، ومِلاكُها وهو أصلُها وفرعُها..... ثم قال:...

امتطاء الخيل (2)

صورة
 تكلمنا في المقال السابق عن الامتطاء، ولكن كان الكلام عن الامتطاء عند وجود السرج والركابات ، أما اليوم فسوف نتكلم عن الامتطاء لكن دون سرج، او ركابات. وهذا ليس بسبب عدم وجود السرج ، وإنما لأن هذه المهارة تميز فارس عن فارس، أنها ليست ممكنة للجميع ولكن تحتاج لتدريب وممارسة، ويعد الفارس الذي يستطيع فعل ذلك فارسا مقدما في المنزلة. وقد فعلها نبينا محمد ﷺ، كما ذكر ذلك أصحاب كتب السنن، وبوب له في صحيح مسلم باب في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للحرب: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ. وَهُوَ يَقُولُ : " لَمْ تُرَاعُوا ، لَمْ تُرَاعُوا ". ثُمَّ قَالَ " وَجَدْنَاهُ بَحْرًا ". أَوْ قَالَ : " إِنَّهُ لَبَحْرٌ ". قال البغوي في شرح هذا الحديث: وقو...

امتطاء الخيل، والترجل عنه (1)

صورة
 إنّ مَن يطلب علم الفروسية حقًا، ويصبو إلى التمكن من جوهرها لا مظهرها، عليه أن يتحلى بالصبر، فالصبر مِلاك الأمر ومفتاح النصر، وعليه أن يطيل المكوث عند التفاصيل، فإن التفاصيل هي التي تصنع الفارس، لا الشجاعة المجردة ولا المظهر وحده.  وفي هذا المقال، نتناول بدقة بين يديك عزيزي القارئ؛ موضوع امتطاء الخيل والترجل عنه، وهي مهارة جوهرية يغفل عنها البعض.  فإن كنت طالبًا للفروسية على وجهها، فتمهّل، وأمعن النظر، ففي كل فقرة دربة وخبرة من التعاليم الأصيلة. وقبل النزول إلى الميدان بصحبة حصان، نود أن نوضح أمرا من الأهمية بمكان ، ونطرح سؤالا كثيرا ما يأتي في الأذهان:  لماذا نركب من الجانب الأيسر للحصان؟ جاء في كتاب " المصباح المنير في غريب الشرح الكبير": والوحشي من كل دابة الجانب الأيمن قال الشاعر فمالت على شق وحشيها .... وقد ريع جانبها الأيسر قال  الأزهري  قال أئمة العربية الوحشي من جميع الحيوان غير الإنسان الجانب الأيمن هو الذي لا يركب منه الراكب ولا يحلب منه الحالب والإنسي الجانب الآخر وهو الأيسر . اه إذا فإن أول أسباب اختيار جانب للركوب دون الآخر يرجع إلي خلقة الدابة...

قاعدة ذهبية في الفروسية

صورة
  هناك بعض الأمور ـ مع أهميتها ـ فإنها تستند علي أمور أشد منها أهمية مع كونها ليست مشتهرة، ولا تحظي بنصيب من الاعتناء والتركيز، بل قد يستخف بها البعض، ومن ذلك؛ استناد جودة أداء صعود الفارس علي ظهر الحصان علي قاعدة ثبات الحصان، فإن كانت لحظة صعود الفارس على ظهر الحصان تبدو أمرًا بسيطًا وعابرًا، لكنها في الحقيقة لحظة تحتاج إلي تأسيس لمعادلة دقيقة من الثقة والانضباط والانقياد النفسي.  إن الامتطاء ليس مجرد حركة انتقال من الأرض إلى السرج، بل اختبار مباشر لمدى رقي تأديب الفارس لفرسه من عدمه. ومما لا يخفى علينا جميعا، أن هناك الكثير من الخيول لا تكاد تقف للراكب، فيحتاج الراكب إلي اثنين من المساعدين بل ثلاثة في بعض الأوقات، وليس هذا بعتب علي الخيول بل إنه قد صار محمدة لوصف مثل تلك الحال بأنها خيول حارة نارية الدماء، وياللأسف، فإن الأصل غير ذلك، فقد أجمع أعلام الفروسية من الراضة علي مر العصور ،أن ثبات الحصان عند الركوب هو الأساس الذي تُبنى عليه هذه العلاقة بين الفارس والجواد. فالحصان الذي يتحرك أو يضطرب أثناء امتطاء الفارس هو حصان لم يتأدب بعد، وأن الفارس الذي لا يُدرك هذا الخلل _ أو ي...

الوزن والاتزان في الفروسية

صورة
مما لا يخفى على كل من ركب الخيول، سواء المبتدئين منهم والمتقدمين، أن الاتزان يعتبر من أخطر العوامل في العلاقة الحركية التوافقية بين الفارس والفرس، ولذلك أولاه الراضة اهتماما بالغا، من حيث مظاهره وكيفية تحقيقه، والحفاظ عليه واستغلاله والوقاية من اختلاله، وذلك لأن الاتزان فطرة تطلبها الأجسام تلقائيا، وبما أن الفروسية تجمع بين جسم الفرس وجسم الفارس إذا فإن الاتزان عامل مشترك ينبغي أن يتحقق لدى الطرفين، وهذا ما جعلنا نطرق هذا الباب، طالبين فهمه وإدراك ماهيته وكيفيته. تناسق التراكيب وعلاقتها بالاتزان:   عندما بدأ محمد بن يعقوب 200هـ كلامه عن صفات الخيول العتاق أي؛ العربية الأصيلة، أشار إلى صفة حمل الوزن مع الحركة، فذكر في البداية، أقوى الدواب في الحمل مع السرعة وأسرع الدواب في الجري مع حمل الوزن، فقال: "وإذ كان العتق من الخيل أَصبر البهائم وأشدها سكة، وأخف الدواب كلها مؤونة في العلف والشرب عند ضيق الأمر في ذلك،  فكان يكفيها في السرايا والمفاوز والأسفار القليل منه، ثم قسنا عليه في شدته، فوجدنا أشد البهائم وأقواها على الأحمال الثقال الإبل، فأصَبْنا البازل الشديد أكثر ما يحمل ألف رطل،...