امتطاء الخيل (2)
تكلمنا في المقال السابق عن الامتطاء، ولكن كان الكلام عن الامتطاء عند وجود السرج والركابات ، أما اليوم فسوف نتكلم عن الامتطاء لكن دون سرج، او ركابات.
وقد فعلها نبينا محمد ﷺ، كما ذكر ذلك أصحاب كتب السنن، وبوب له في صحيح مسلم باب في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للحرب:
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ. وَهُوَ يَقُولُ : " لَمْ تُرَاعُوا ، لَمْ تُرَاعُوا ". ثُمَّ قَالَ " وَجَدْنَاهُ بَحْرًا ". أَوْ قَالَ : " إِنَّهُ لَبَحْرٌ ".
قال البغوي في شرح هذا الحديث:
وقوله: ” عُرْيٌ ” يقال: فرس عري، وخيل أعراء..
يعني بدون سرج.
وكذلك قد نبه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلي تعلم الامتطاء من دون ركاب فقال :
وألقوا الرُّكبَ ، وانزوا .....
قال بعض الشراح:
وألْقوا الرُّكُبَ" جَمعُ (رِكابٍ) وهي حَلقاتٌ تُعَلَّقُ في السَّرجِ وتَتَدَلَّى منه، يُريدُ أنْ يَترُكوا الاستِعانةَ بها على رُكوبِ الخَيلِ، بل عليهم أنْ يَنْزُوا على الخَيلِ، أيْ: يَقفِزوا على الخَيلِ وَثبًا؛ لِمَا في ذلك مِنَ القُوَّةِ والنَّشاطِ
وكذلك قال غيره من شراح السنة النبوية.
وقال الجاحظ في البيان والتبيين:
وأما ذكرهم للرُّكب ، فقد أجمعوا على أن الرّكب كانت قديمة، إلا أن ركب الحديد لم تكن في العرب إلا في أيام الأزارقة. وكانت العرب لا تعود نفسها إذا أرادت الركوب أن تضع أرجلها في الركب، وإنما كانت تنزو نزوا، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تخور قوةٌ ما كان صاحبها ينزو وينزع» ، يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع في القوس، وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب.
وبناءا علي ذلك فإن مهارة الامتطاء دون سرج أو ركاب، وركوب الفرس عُرْي (دون سرج) من المهارات الخاصة في الفروسية.
ومع أنّ بعض البلاد قديما لا يجدون الركاب والسرج، إلا أنهم قد مارسوا هذه المهارة مع ظهور السرج والركاب لديهم.
يقول جون سولومون راري 1850م:
وتُثبت المنحوتات القديمة أن الفرسان في معظم الأمم كانوا معتادين أن يركبوا خيولهم من الجهة اليمنى للحيوان، حتى يتمكنوا من الإمساك بعرفه الذي يتدلّى من تلك الجهة، وهي عادة تغيّرت كليًا في العصور الحديثة.
وكان القدماء غالبًا يقفزون إلى ظهور خيولهم مباشرة.
ومثل هذا السياق قد ذكره جريلمن حيث يقول:
وتُظهر العديد من الأعمال النحتية القديمة أن العادة تقريبًا في كل مكان كانت الامتطاء من الجانب الأيمن، وهو ما يفسر إسدال العرف على ذلك الجانب، لأن الفارس كان يعتمد عليه في الامتطاء لغياب الركاب. وفي فترات لاحقة، وكما هو الحال اليوم، صار الامتطاء من الجانب الأيسر، لكن العرف ظل على الجانب الأيمن.
ومثل ذلك جاء في كتاب مارشال ال چي، إذ يقول:
ومع انتشارها ، يعني: (أغطية من قماش أو جلد، وربما جلود حيوانات، على ظهر الحصان )صار يُعدّ الركوب من دونها أكثر رجولة؛ فنجد ( فارّو )يفتخر بأنّه ركب بلا سرج في صباه. كما أنّ زينوفون عاب على الفُرس إفراطهم في وضع الأغطية تحت مقاعدهم فوق ظهور الخيل بقدر ما يضعونه على أسرّتهم.
ومن المؤكد أنّ هذه الأغطية لم تُستخدم في الحروب لزمن طويل؛ فبحسب قيصر، كان الجنود الألمان القدامى يزدَرون فرسانه لاعتمادهم على هذه الكماليات.
وكما هو الحال في فنون الفروسية فهناك طرق للامتطاء؛ دون ركاب، أو دون سرج وركاب، وقد تكلم المروضون قديما وحديثا عن هذه الطرق ، فقد وصف كابتن ريكاردسون، كيفية الركوب من دون ركاب، قائلا:
وهذه الطريقة مع ما فيها من رشاقة إلا أنه قد يُعترض عليها بأن اليد اليمني سوف تشكل عائقا لحرية حركة الساق اليمنى فوق السرج.
أما عن الطريقة الأخرى، وهي بغير سرج ولا ركاب، وقد فعلها الكثير من الفرسان بل وسيدهم "محمد ﷺ' وقد تكلم عن هذه الطريقة في الامتطاء، الرايض محمد بن يعقوب 200 هجرية، وتوسع ذكرها، بل وقد وضح مدي أهميتها وتميز من يتقنها، حيث يقول:
ومن لم يُحكِم أصل الشئ وأساسه، لم يتم الفرع، وأصل الفروسية الثبات، وأصل الثبات الفروسية على الفرس العُرْي، وأنه من لم يتفرس علي عري لم يصح ركوبه، ولا ثباته ..... ثم تابع قائلا :
فإذا أحكمت الركوب على العري الذي وصفت، ووفقك الله عز وجل بمنه لذلك، فقد ملكت من الركوب أصله، ومن الفروسية أكثرها...
إلي أن قال:
فاطلب هذا الثبات بشهوة عظيمة ونية، وصوّره في نفسك أنه لا مرتبة أعلى من مرتبة من أتقن هذا العلم، وبالله التوفيق.
ثم بدأ في شرح هذه المهارة، فقال :
فإذا أردت ذلك فألجم فرسك وشد عليه جُلّ صوف...، فان الفارس على الجُل أثبت منه على المُجَرّد، ثم قف على يسار فرسك عند منكبه، وسوطك بشمالك، فضع إبهام قدمك اليسرى في لبب (صدرية) الجُل من فوق، وقد علقت العنان بها، وراحتك على منكبيه، وثب واضرب بيدك اليمنى في وثبتك على صفحة عنقه، من الجانب الأيمن واستعن بها واركب، هذا أهون الوثب على العري وأحسنه .... وان أخذت العرف مع العنان فلا بأس، وليس لكل دابة عرف، والأول أحب إليّ.
واعلم عزيزي القارئ أن بعض الخيل غير بعض، يقول محمد بن يعقوب، عند كلامه عن الحِرَان :
ومن الدواب ما يقشعر عند الركوب...... وأكثر ما يفعله الدابة إذا رُكب عريًّا...... فإذا فعل ذلك عريًّا، اطرح عليه جل واركب، فإنه يذهب عنه.
فهنا تراه عزيزي القارئ وصف لنا كيف نمتطي برشاقة ومهارة، ووصف حلًا للخيل التي تقشعر في الركوب العري، ووضح لنا نظرة العلم في الفارس الذي يتقن هذه المهارة، فلا تتحرج أبدا من تعلمها والمداومة علي ممارستها.
مع تحيات الأكاديمية الكلاسيكية للفروسية
الثلاثاء 25 صفر 1447 هجرية
حدث في مثل هذا اليوم
1335هـ: الجيش البريطاني يستولي على مدينة غزة الفلسطينية من العثمانيين، بعد ما قاموا بمد خط سكة حديد وخط أنابيب مياه في سيناء للتغلب على صعوبة الطقس ووعورة التضاريس، وذلك بعد أن خسروا معركتين في غزة أمام العثمانيين.
1336هـ: المملكة المتحدة تحتل القدس بعد تراجع الجيش العثماني وانسحابه أمامها، أثناء أحداث الحرب العالمية الأولى على الجبهة العربية.




تعليقات
إرسال تعليق