العنان (1)
في تسلسل مهارة الركوب، من الطبيعي والمنطقي بعد أن يجلس الفارس علي صهوة جواد، عُرْيا أو في السرج، أن يُحسن استخدام العنان فهو للفرس كالميزان في يد الفارس، ولذلك فقد أطال الرّاضة _ في شتى مدارس وفنون الفروسية _ الكلام عن فنون استخدام العنان، ونحن في هذا المقال نبدأ بتناول خبرات الرّاضة عبر العصور المختلفة، ساعين إلى توضيح وممارسة وإتقان هذه المهارة قدر الإمكان.
وكما تعودنا أن نبدأ بأستاذنا الرايض الكبير محمد بن يعقوب رايض خيول الخليفة العباسي المعتضد بالله، فها هو يقرر أن هذه المهارة تعتبر بمثابة مهارة تمايُز بين الفرسان، فيقول:
والناس يختلفون في ذلك على قدر البصيرة والتأني وحسن الحيلة، واللطف في مداراة العنان وإرساله وإمساكه ومَدّه من النواحي بأنواع المدّ من الشِّدة والضعف.
وأشار إليه في مواضع متنوعة في كلامه، وذكر أنه واحد من الثلاثة أمور الضرورية لإحكام الفارس للركوب، فيقول :
ويَستَحْكم ركوبَه بثبات رجليه في الركاب، وإلزام فخذيه للسرج، وحذقه بإمساك العنان، وتعهده له.
وينصحنا أيضا بقوله:
وتَعَهَّد عنانَك فإنه نفسُ الفروسية في كل فنٕ منها، ومِلاكُها وهو أصلُها وفرعُها..... ثم قال:
فإنه ميزانٌ يَحتاج أنْ يُقَوٍّم به الدابة.
وهذا ما أكده عند كلامه عن أمر الرجوع للخلف حيث قال:
وإذا اعتدل العنان في يد الفارس رجع رجوعاً مستويا.
وقد أكد نفس الكلام في أمر التوقف، فقال:
وعَدِّل يدك في موضع الحبس في استواء واعتدال من العنان، ولا تُطَوِّل من جانب وتَمُدُّه بإحدى يديك من جانب فتحبس الدابة علي جانب، أو تَغمز بإحدى يديك علي العنان فيميل مُؤَخَّرُ الدابة عند الحبس إلي جانب، وذلك عيب، فاحفظ مُؤَخَّرَ الدابة باللجام حتى يكون عند حبسك إذا وقفت مستويا لا يميل إلى شِقٕ واحد...
وقال أيضا في موضع الجري، والحبس:
ثم يُعَدِّلُ الفارس العنان، في وقت الجري والحبس، حتى يصير مثل الميزان .
فيا لها من مهارة، أخذت مكانتها في كلام الراضة،
وقد أكد ادوارد اندرسون علي أهمية هذه المهارة فقال:
من الضروري جدا أن يعتاد الفرسان علي التعامل مع العنان بمهارة.
ويجب أن يكون كل عمل بالعنان، متنوعاً وسلسلاً وتدريجياً، ولا يمكن تحقيق هذه النتائج إلا إذا كان الفارس مرناً تماما في الكتفين والذراعين والمعصمين، ويمتلك أصابع بارعة.
ونحن قد لاحظنا في كلام ادوارد التأكيد علي مرونة يد الفارس، وذلك لأن بغيابها يصبح التواصل مضرا، فقد تقرر في منهج مدرسة سومور أهمية وخطورة هذه المهارة:
فاليد إذا كانت ثابتة بصلابة، والأصابع مُطْبِقةً بشدة، فإنها تُعيق حركة العنق الحرة...... يجب ألا تعارض اليد حركة العنق، بل علي العكس؛ ينبغي أن تكون الأصابع مرخية قليلا بحيث لا يتعارض شىء مع رغبة الحصان في طاعة المساعدات.
وإن هذه المرونة تعتبر العامل الأساسي في نجاح التواصل عبر العنان، فقد ذكر كولينيل بيلير هذا الأمر حين قال:
ويُطْلَق "الاتصال" علي ذلك التوافق المرن الذي ينبغي أن يوجد بين يد الفارس وفم الحصان.
وقال أيضا مقررا ما قرره الرّاضة، من ضرورة اتقان هذا الفن:
ومن المهم جدا أن يَعرف الفارس كيف يُحْسِن التصرف والمقاومة والتليين في اللحظة المناسبة، يجب أن تكون أفعال اليد تدريجية.
إنَّ من أسرار وخفايا هذه المهارة، بعض الأمور التي من يتقنها فقد بلغ مبلغا فائقا في الفروسية، وتتضح هذه الأمور في مسمياتها، فقد ذَكر محمد بن يعقوب في كلامه عن الرياضة وفنون الركوب أمورا وكذلك غيره من الغرب قد ذكروها مثل:
حمل الرأس
القرص والقرض ـ الأخذ والعطاء
المد والكمح
طرح العنان ـ إرخاء اليد
أن يجد الحصان مس اللجام دائما
مبدأ الشدّ المستمر على العنان
وهذه الأمور قد ذكرها المروضون الكلاسيكيون كذلك في حديثهم عن فنون ومهارات استخدام العنان، ومنها ما ذكرناه في مقالات سابقة مثل :
https://classicalridingacademy.blogspot.com/2025/06/700.html
https://classicalridingacademy.blogspot.com/2025/06/blog-post_26.html
https://classicalridingacademy.blogspot.com/2025/06/blog-post_29.html
ومنها ما سنذكره فيما بعد ، ولأهمية هذه الفنون والمهارات نكتفي بهذا القدر في هذا المقال، ونُكمل الكلام عن العنان ومهاراته في المقال القادم إن شاء الله تعالى.
عزيزي القارئ إن أهمية العنان وإتقان مهاراته المتنوعة أمرٌ ينبغي أن يُنْظَر فيه بتمعن وتركيز وممارسة مع مختلف الخيول والأعمار، فهو لا غنى عن إتقانه أبدا، وقد كتب الرايض المصري حسام دبور رسالة مختصرة، جمع فيها إشارات إلي تلك المهارة إذ يقول :
وعنانُك عنوانُك، إنْ أخطأتَه أخطأك، وإنْ ضلَلتَه أضلّك.
وهو في يدك كالميزان، فلا تُخسِر فتَخسر؛ فلا تُرخيه حتى يزدريه، ولا تقسو على فِيهِ فتُدمِيه، فإنّ الإدماء _ كما قال الفوارس_ : عطبٌ من الفارس، وإن بعض الإرخاء للثواب لا عيب فيه.
واجعله في يديك تارة، وفي يدٍ واحدةٍ تارة، فذلك من مُحكَم المهارة.
وآخرا فاقبضه إذا نزلت، واقلبه إذا ترجلت، ولا تربط الجواد من العنان، لئلا ينقطع العنان أو اللسان.
والسّلام.
مع تحيات الأكاديمية الكلاسيكية للفروسية
الأربعاء 11 ربيع الأول 1447 هجرياً
حدث في مثل هذا اليوم
572 هـ
السلطان السلجوقي قلج أرسلان الثاني ينتصر على الجيش البيزنطي انتصارًا كبيرًا في معركة "مريو كفالون" في الأناضول.


تعليقات
إرسال تعليق