ما لا يسع الفارس جهله

 

حين تكلّم الحكماء:

في عالم الفروسية، لا شيء أكثر خطرًا من فارسٍ يجهل نفسه، ويجهل ما بين يديه، من ماهية نعمة الله التى سخرها له ، ألا وهي الخيل.
لقد أجمع حكماء الفروسية في الشرق والغرب على أن الحصان لا يُروّض بالقوة، ولا تُكتسب الطاعة بالعنف، بل تبدأ الرحلة من ترويض النفس قبل ترويض الفرس.

لكن إن أردنا الحديث عن منشأ هذا الأصل، فلا شك أن المدرسة العربية سبقت إلى تأصيل هذا المبدأ بدقة وحكمة نادرة، حتى صار بعد ذلك مصدرًا للنور الذي اقتبست منه مدارس الغرب، وإن أعادت صياغته بلغتها.
في الفترة بين القرن الثاني والثالث الهجري (التاسع الميلادي)، كتب محمد بن يعقوب في مخطوطته الفذة "الخيل والبيطرة والفروسية السلطانية"، واضعًا منهجًا دقيقًا لما ينبغي أن يكون عليه المروّض قبل أن يمس لجام الفرس:

"ولا ينبغي أن يُقدِم على الرياضة حتى يكون قد عرف جميع إحسان الدواب وإساءتها في جميع الأحوال، في العتق والمشي والخبب والتقريب والجري، حتى يكون عالمًا بجميع ما يُحمّل عليه الدابة من الأدب، واختلاف جواهر الدواب في الضجر والسخافة، والحُسن والقبح، واللين والخشونة، والثقل والخفة، والاختيال والتسكين، وما يصلح له كل صنف من الناس، وما يكون سببًا في الإتيان بذلك، وما يكون سببًا لقطعه من أفعال الراكب، فإذا كان فَهِمًا لذلك، وجرى على معرفته، التمس حمل الدابة على النوع الذي يحتاج إليه فيه بأرفق الرفق، وأبلغ الحيل، بالمخادعة والملاينة."

إن هذا النص لا يصف فقط توصيات عامة، بل يؤسس لمنهج علمي شامل يربط بين:
- فهم طبائع الخيل.
- فهم احتياجات البشر المختلفة.
- تقدير الفروق الفردية.
- تقديم الحيلة على القهر، والملاينة على العنف.
وكل باب من هذه الأبواب يحتاج إلى النظر والفهم والشرح والتطبيق، ونسأل الله التيسير.

المدرسة الغربية: من العنف إلى الفهم

بعد عدة قرون من الزمن، بدأت تتبلور في أوروبا مدارس الفروسية الكلاسيكية، وخاصة في فرنسا والنمسا والبرتغال.
وكان من أبرز الراضة:
 فرانسوا روبشاو دو لا غيرينيير (La Guérinière) الذي يقول:
"الفارس الذي بلا مبادئ، هو فارس بلا روح."

 وقال فرانسوا بوشيه (Baucher):
 "من أراد السيطرة على الحصان قبل أن يسيطر على نفسه، فلن يكون سوى غليظ، عنيف"

ويتبعه غوستاف شتاينبريشت (Steinbrecht) قائلا:
 "اركب حصانك للأمام وبشكل مستقيم، ولكن أولًا علّم نفسك".

وانظر إلي حكمة الأستاذ نونو أوليفيرا (Nuno Oliveira) في قوله:
"الحصان لا يهتم بما تعرفه، حتى يشعر بمدى ما تحس به".

وقد سبقهم أنطوان دو بلوڤينيل (Pluvinel)، إذ يقول:
'يجب أن تُقاد الخيل كما لو أنك تمسك ريش طائر بين يديك".

كل هذه الأقوال تدور حول مبدأ واحد، ألا وهو :
أن المروّض لا بد أن يُعدّ نفسه أولًا، أخلاقيًا وعقليًا وبدنيًا، وعلميًا.
لكن هذا المبدأ الذي صار محورًا في المدرسة الكلاسيكية لم يكن وليد بيئة أوروبية في المقام الأول، بل سبقهم العرب إليه بعدة قرون، ووضعوه بأسلوب أكثر شمولًا وعمقًا، كما يظهر في كلام محمد بن يعقوب.


شهادة من الداخل:

في كتيّبه الشهير، يعترف الطبيب الأمريكي Dr. Ness بوضوح أن أساليب الغرب في ترويض الخيول كانت قاسية وارتجالية، إذ يقول:

 "لقد كانت العادة السائدة في الغرب هي ترك الخيول طليقة حتى تبلغ ثلاث أو أربع سنوات، ثم إخضاعها لا لنظام منتظم من الترويض، بل لتمارين يُمليها مزاج المدرّب، والتي كثيرًا ما كانت تُظهر نوبات الغضب والانفعال وعدم الصبر، أكثر مما تُظهر أي عناية حقيقية بالخيل."

وهو نفسه قد بدأ نصيحته _ في الكتاب الذي نقل فيه منهج الفروسية العربية _ قائلا:
"أولًا: لا تعامل حصانك بشيء سوى اللطف"

فما بين هذا الاعتراف، وتلك الوصية، يتضح أن الغرب بدأ بتصحيح نفسه متأخرًا، وأن الحكمة التي وصل إليها – بعد الجهل والخطأ – قد كانت مكتوبة بدقة في تراث العرب منذ قرون، فبينما كان الغرب يتخبّط بين القسوة والغريزة، كانت المدرسة العربية تؤسس بعناية لما يمكن تسميته اليوم "علم الفروسية الأخلاقية".

فمن محمد بن يعقوب إلى بلوفينيل وبوشيه، وأوليفيرا، يظهر خطّ تاريخي واضح يدعونا إلى أن نعيد قراءة هذا التراث لا لنفخر به فقط، بل لنبني عليه، ونستكمل الرحلة، لا من حيث بدأ غيرنا، بل من حيث توقّف أجدادنا.

مع تحيات الأكاديمية الكلاسيكية للفروسية 

الجمعة / 9 محرم 1447 هجرية 


حدث في مثل هذا اليوم 

661هـ: إحياء الخلافة العباسية في مصر بعد أن سقطت في بغداد بأيدي المغول

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفروسية العربية التراثية، جذور وأصول للفروسية الكلاسيكية

الفروسية وضرورة العلم بها