الفروسية وضرورة العلم بها


 "وتستوي الدابة بفهم الرايض للرياضة وفروسيته ورفقه، فإن كان رفيقًا أدّبها واستوى برفقه، وإن كان غير عالم بالركوب أفسد من المطبوع ما يصلح منه الفارس الركاب." 

محمد بن يعقوب220 هـ / 850 م

 في زمن الخليفة المعتضد بالله

بهذه العبارة البليغة يضع الفارس العربي القديم يده على جوهر المسألة؛ وهي أن الفروسية علمٌ، والرفق مفتاحها، والجهل طريق إلى فساد الخيل وخراب ميدان الفروسية.

إذا تأملنا ما يقوله ابن يعقوب، فإنا نستطيع أن ندرك أن الخيل — حتى تلك المؤدبة على الطاعة والفروسية — إذا ركبها من لا علم له ولا دراية، فإنها تفسد، وتختلط عليها طباعها، بل وتفقد ما فيها من صفاء الفطرة، وركائز العلم.

والعكس صحيح؛ فإذا وقع مثل هذا الحصان بين يدي فارس عالم حاذق، أصلحه وأدبه.

وقد بلغ محمد بن يعقوب من دقة ملاحظته أنه فرّق بين البراذين والشهارى، التي إن فسدَت يُرجى صلاحها، وبين العتاق من الخيل، والتى إن أفسدها الجهل، لزمها ما فسد من أمرها، ولم تكد ترجع سريعًا إلى طبعها الأول.

فأين نحن اليوم من هذا الفهم المتين؟


الجهل يُلبس الفروسية ثوب الخطر


يقول چون آدمز 1800 م JOHN ADAMS  :

فرغم أن أساليب الركوب الشائعة قد تُرضيك وتنقلك على ظهر الحصان إلى حيث تشاء، إلا أنك _ بسبب افتقارك إلى المعرفة الحقيقية بمبادئ الفروسية الصحيحة_ تظل معرّضًا باستمرار لمخاطر لا تُحصى، لا تراها إلا عند وقوعها، ولا تعزوها إلى أسبابها الحقيقية......

ثم يقول أيضا: 

......فإن الفروسية العلمية، أو ركوب manege، هي الضمان الأكبر ضد مثل هذه الحوادث.

ثم يوضح بعدها بعض المواقف، فيقول:

وغالبًا ما يُقال إن الحصان قد شبّ، فسقط الراكب إلى الخلف حتى لا يسقط الحصان عليه؛ لكن لا يُذكر سبب أن يشب الحصان، والذي قد يكون ببساطة قسوة يد الراكب.

وحتى إذا افترضنا أن الخوف أو ظرفًا آخر كان السبب، فإن الراكب نادرًا ما يعترف بسوء ركوبه، رغم أن ركوبه في مثل هذه الحالات قد يزيد من الخطر، أو يكون هو السبب في وقوع الحادث.

ويتابع قائلا:

ويقول لك آخر إن حصانه انحرف إلى الجهة الأخرى من الطريق، فضاع منه الركاب وسقط في الخندق. لكنه لا يقول إنه سقط لأنه لا يعرف كيف يركب، بل لأن الحصان هو من انحرف، وكأن المسؤولية تقع دومًا على الحصان، لا على الفارس.

ثم يختم بقوله:

لذلك، فإن معرفتك العلمية بالفروسية تحميك من العديد من الطوارئ التي قد تحدث فجأة، وتمنعك من الوقوع في المخاطر التي يقع فيها الجاهل كثيرًا.

كما أن لديك ميزة تحسين أداء الخيول التي تقع بين يديك، والتي تكون غير متقنة بسبب ترويض ناقص أو ركوب سيئ؛ وأعتقد أن معظم الناس يشعرون بمتعة كبيرة في التحسينات التي يحققونها، إذ أنها تُمثل تأكيدًا على جودة أيديهم، ودليلًا على مهارتهم.

مَن السبب؟


وها هو صدي النبلاء يتردد في مختلف مدارس الفروسية ، فهذا روبرتس 1890م

" W. N. ROBERTS"

يقول في كتابه، متحدثا عن العناد لدي الخيول :

العناد (Balking)

ربما لا توجد صفة سيئة في الخيول حيّرت الفرسان بقدر ما حيّرهم العناد. ولا توجد عادة تتطلّب قدرًا من الحنكة والمهارة لفكّها أكثر من هذه. وغالبًا ما يكون الراكب هو السبب في أن يُصبح الحصان عنيدًا.

لكن، ومهما كان السبب الذي جعله يكتسب هذه العادة، فعلينا أن نُخلّصه منها حتى يُصبح حصانًا مريحًا للعمل.

ثم يقول متسائلا :

وهنا، من بين كل المواقف، يجب أن نُحكم السيطرة على أعصابنا إذا أردنا النجاح؛ فإن كنا _ونحن الكائنات العاقلة _ لا نستطيع أن نضبط أنفسنا، فكيف نتوقع أن نُسيطر على حصان فاسد السلوك؟.




وهذا ما قد أشار إليه ادوارد اندرسون 1890م EDWARD L. ANDERSON في كتابه قائلا:

وغالبًا ما تنشأ عيوب الحصان وحيَله وطباعه السيئة من محاولات الإنسان غير الحكيمة لمقاومة هذه الرغبة الطبيعية في الإفلات من سطوته.

فإذا أُُحبط الحصان في أولى محاولات تمرده، فإنه سرعان ما يكفّ عنها؛ لكن نجاحًا واحدًا في التمرّد يظل في ذاكرته، ولو بعد عشرات الإخفاقات.

وحين تصبح الطاعة والانضباط طبعًا ثانويا للحصان، يمكن للإنسان أن يعتمد على استجابته؛ إلى أن تكشف له الصدفة أو الإهمال مدى رقة القيود التي كانت تكبّله.

ثم يختم قائلا:

ومن الأصعب بكثير أن يُستعاد الانضباط في حصان أُفسد، من أن يُنشأ من البداية في مهر غير مروّض، لكنه ليس أمرًا مستحيلًا.



ثم يأتي راري 1900م RAREY  لتأكيد هذه القاعدة المقررة الثابتة، ويجعلها تجد انتشارا عند محبي الفروسية، ويتجلي ذلك في رسالة أرسلها له إي. هـ. هبورث E. H. Hepworth 

يقول في مضمونها :

..... العربي يستخرج من حصانه أكثر مما يستطيع الأمريكي، ويقال إن الحصان العربي يعرف أكثر من أي حيوان آخر.

لكنني كنت أعتقد منذ زمن أن الفرق بينهما هو فرق في التعليم، أو هو على الأقل فرق يعتمد بدرجة كبيرة على أسلوب التنشأة.

نحن لا نعرف بعد ما الذي يستطيع حصاننا أن يفعل أو أن يكون، لأننا غالبًا ما نفسده في "تنشأته" الأولى...

******

كما نرى، فعلي مَرّ القرون والأعوام تتوالي نصائح الراضة والمدربين التى تقرر ضرورة علم الفروسية، والتى قد نَبّه عليها محمد بن يعقوب إذ يقول:

"وتستوي الدابة بفهم الرايض للرياضة وفروسيته ورفقه، فإن كان رفيقا أدبه واستوى برفقه.

وإن كان غير عالم بالركوب أفسد من المطبوع ما يُصلح منه الفارس الركّاب، لأنه إذا ركب الدابة المطبوع غير العالم بالرياضة والركوب خلط عليه وأفسده...... 

ثم يقول: واعلم أن البراذين والشهارى من هذا الصنف يفسد ويصلح، فيتغير المطبوع من هذين الصنفين بفساد الركوب، فإذا ركبه الفارس وأصلحه صَلُح.........، ثم يقول :

واعلم أن العتاق من الخيل إذا أودع أحدها البلية، فعلها، وإذا أفسده فارسه لزم ذلك النوع الذي صار فيه من الفساد ، ولم يكد يرجع سريعا، وكذلك هو إذا صَلُح دام على صلاحه، فينبغي للرايض المعالج أن يلزم الرفق، لأن غير الرفق في الرياضة يُعطب الدابة ........"


عزيزي القارئ، ما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى هذا الفهم التأصيلي للفروسية:

وهو أن الفروسية علم وتنشأة وحياة، وأن فارس اليوم لا يقل حاجة عن فارس الأمس إلي الحكمة والرفق والمعرفة.

وأن الخيل _ هذه النعمة الربانية _ لا تُروّض بالعنف، بل بالمعرفة، واليد الخبيرة، والصدر الواسع.


فليكن صوت ابن يعقوب الذي ينادينا منذ أكثر من 1200 عاما، ومن بعده صدى المروضين علي مر التاريخ، هاديًا لنا ولنُحيِ في خيولنا ما أفسده الجهل، والمعرفة الكاذبة المزيفة،  وما دفنوه وأخفوه علي مدار قرون.

الأربعاء 14 محرم 1447 هجرية 

مع تحيات الأكاديمية الكلاسيكية للفروسية 


حدث في مثل هذه اليوم:

567 هـ: عودة مصر إلى الخلافة العباسية، والخطبة للخلفاء العباسيين في مساجدها لأول مرة بعد موت الخليفة العاضد لدين الله آخر الخلفاء الفاطميين وكان ذلك بمجهودات صلاح الدين الأيوبي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما لا يسع الفارس جهله

الفروسية العربية التراثية، جذور وأصول للفروسية الكلاسيكية