التشغيل الدائري ركيزة أساسية في رياضة الخيل علي مر العصور.

 


التشغيل الدائري: ما هو؟

التشغيل الدائري هو أحد التمارين الأساسية في تدريب الخيول، حيث يُطلب من الحصان أن يسير في دائرة؛ سواءً في المقاودة، أو تحت السرج, وذلك بغرض تقوية التوازن وتليين المفاصل، وتحسين الاستجابة لأوامر العنان والمقعد والأقدام.
هذا الشكل من الرياضة حاضر في كل مدارس الترويض التراثية والكلاسيكية، ويتنوّع في حجمه وغايته بحسب المرحلة التدريبية ومستوى الفارس والحصان.

خطورته قبل فوائده

رغم فوائده الكبيرة والتى سيتم ذكرها في الفقرة القادمة، إلا أننا انطلاقا من المبدأ الأساسي في الوقاية من الضرر، فإن التشغيل الدائري يحمل العديد من المخاطر، خاصة عند المبالغة أو سوء الاستخدام. وقد أشار كبار الرّاضة العرب والغربيين إلى هذه المخاطر، ونبّهوا على كيفية تجنبها.

قال محمد بن يعقوب، القرن الثاني الهجري، محذرا عن الدوائر للأمهار:
"وأقِل الفَتل في المهر الرطب والرد على الرِّجل ولا سيما في الخيل فإنه أكثر ما يكون المَلخ بالرجل من الفَتل والرد."

وقال: "وإذا ضاق ـ أي الدوران ـ اختلط الفرس فاذا كان ذكيا شديد القلب ذهب عند الضيق على حروف حوافره فلم يأمن أن ينزلق ويخطئ وإنما يستعمل تضييق الناورد ووسعه في العطف عند الحاجه إلى ذلك مع المبارزين وللناورد شروط."


وقال كابتن ريكاردسون 1850م، كذلك عن خطورته للأمهار:
"ولا تُدرّبه على اللونچ داخل دائرة حقيقية. لأن تشغيل المهر داخل دائرة مثالية قد يُعرّضه لإجهاد عضلي أو إصابات، بسبب سحب الرأس والرقبة إلى الداخل بشكل مفرط، ودفع الأقدام الخلفية إلى الخارج أكثر من اللازم. وهذا النوع من التمرين الخاطئ هو من الأسباب الشائعة لظهور إصابات المفاصل الخلفية."

وقال ادوارد اندرسون 1850: 1890 م
"ولا ينبغي الاستمرار في التدريب على الدوائر لفترة طويلة في الحصة الواحدة، كما لا يجوز تقليص حجم الدوائر بسرعة كبيرة، لأن ذلك قد يؤدي إلى ثقل حركة الحصان وتقييدها."

وهكذا، يتفق كلٌّ من الرايض العربي محمد بن يعقوب من القرن الثاني الهجري ،والمدربين الغربيين من القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين، على أن الدوران ـ رغم ضرورته ـ يحمل في طيّاته خطرًا على بدن الفرس إن أُسيء استعماله. فكل فتل زائد، أو ضيقٍ مفرطٍ غير محسوب في الدائرة، أو تحميل غير موزون على مفاصل الخلف، قد يفتح بابًا لإصابات طويلة الأمد. 
فعلينا أن لا نعامل التدريب الدائري كأمرٍ شكليّ، بل هو فن يحتاج علم وبصيرة ومهارة، وإلا كان كدائرة مغلقة على عقل المدرب.

فوائد التشغيل الدائري 

ورغم كل تلك التحذيرات، إلا أن الإجماع بين المدربين الكلاسيكيين على مر العصور ،هو أن التمرين الدائري عنصر أساسي لا غنى عنه، في رياضة الخيل والفروسية بمختلف فنونها.

قال محمد بن يعقوب:

"واعلم أن الدَّوْر باب كبير من الرياضة يحتاج إليه الناس أجمع لكل معنى وكل أصناف الدواب، ولخاصّة الفرسان فإنهم يحتاجون إليه حاجة شديدة."

وقال چون آدمز 1800:

"الركوب في دائرة يُفضّل لكلٍّ من السيدات والسادة لاكتساب التوازن.

إن تدريب الخيول وثنيها في دائرة يُعد أمرًا ضروريًا للغاية، حتى أن أكثر الخيول هدوءً التي تم ركوبها لسنوات يُعاد إخضاعها لهذا النوع من التمرين عندما تُقدَّم إلى معلّم لتحسينها أو تدريبها، فيجب ألا يُهمَل تمرين الركوب الدائري."

ثم قال: "العمل في الدوائر يُليّن ويجمع الحصان."

وقال البارون هيرفي دو بوسيني (1850:1890م):

"لكن دائمًا من أجل مزيد من القوة، والدقة، والطاقة. أبدأ دائمًا برنامجي التدريبي بالعمل على اللونچ، حيث يدور الحصان في دائرة بالتناوب على اليد اليمنى واليسرى."



سعة الدائرة

إن تحديد حجم الدائرة المناسبة هو أمر بالغ الأهمية، ويختلف حسب المرحلة التدريبية، ويجب احترامه من جميع الأطراف الرايض، والفارس ،والحصان.

يقول محمد بن يعقوب:

إن الناورد ـ وهو الميدان الدائري ـ يكون قُطره بين السبعين والثمانين ذراعا، أي بين 30 : 35 مترا تقريبا.

وذكر أغلب المدربين الأوروبيين أن قياس قطر الدائرة 30 مترا، ثم 20 مترا، وأقل دارة تكون بقطر 10 أمتار.


بعض أشكال التمارين الدائرية

إن التدريب في الدائرة لا يقتصر على شكل واحد، بل يمتد إلى أنماط متعددة مثل: الدائرة الكاملة، والشكل 8، والنصف دائرة (half volte).


الشكل الأول: دائرة واحدة

قال محمد بن يعقوب: 

"فإذا صار في الاستواء على ما وصفت طرحته في الدور والناورد وليكن ناورد في أول ما تطرحه واسع الحلقة مستوية تدور الدابة عليها في أَثرٕ واحد ، فإذا كنت يسرة وأردت أن تفتله يمنة خرجت عن الحلقة ثم عدت إليها."

وهذا الخروج للقلب يشبه volte إلى حد كبير.

ثم قال: "فيدور نصف دور ثم تقلبه على يده الأخرى فتديره أيضا نصف دور تفعل به ذلك مقدار ميدان."

وهذا يشبه half volte وتبديل داخل الدائرة عبر قطرها ثم half volte


وقال البارون هيرفي دو بوسيني (1850:1890م):

"الدائرة، مع التبديل داخل الدائرة أو تبديل الدائرة بالكامل."


وقال ادوارد اندرسون 1850:1890م:

"في الاتجاهين، على دوائر كاملة ذات قطر كبير."


الشكل الثاني: شكل 8

يقول محمد بن يعقوب: "وإن شئت عملت إلى جانب الدارة دارة أخرى فإذا فتلته يمنة خرجت إلى الأخرى فتكون حلقتين واحدة بجنب الأخرى."

وقال چون آدمز 1800م :

"بعد ذلك، درّبه على دائرتين متداخلتين، واجعله يُجري التبديل عند نقطة تقاطع الدائرتين. لكن أداء الحصان هنا يعتمد كثيرًا على دقة الفارس في اغتنام اللحظة والمكان المناسب تمامًا."

وقال ادوارد اندرسون:

"وبعد أن يُجيد الحصان الالتفاف في الزوايا تحت تأثير ضغط لجام الشكيمة، يُطلب منه أن يؤدي حركة شكل الرقم 8 (figure of eight)، مستغلاً كامل طول وعرض الميدان."


وبطبيعة الحال فإن أداء هذه التمارين بالشكل الصحيح  يستلزم أمورا قررها الراضة والمدربين فهذا محمد بن يعقوب يقرر مبدأ الميل والاتكاء بالقدم والغمز بالعقب لتثبيت الحصان وقت العطف والقلب من يد إلى أخرى فقال:

 "وزد في جريه قليلا عند إقلابه من يد إلى يد بغمزه بعقبك ليثبت وقت قلبك إياه."

 وتابعه چون آدمز قائلا: 

"احرص على دعم الجزء الخلفي باستخدام الساق الخارجية، فهذا يُحافظ على توازن الحصان وثباته على قوائمه في الدوائر الضيقة والمنعطفات الحادة."

وقال "وفي هذه اللحظة تعكس وضعية جسدك، مما يؤدي إلى تغيير اتجاه الحصان إلى الدائرة المعاكسة."

وكذلك فقد اتفق الجميع علي مبدأ العمل علي كلا الجانبين ، فقد قال محمد بن يعقوب: 

"فإذا أدرت فرسك على يده اليمنى فأدره ثلاث أدوار ثم اقلبه على يساره "

وقال: "فأدره ـ علي يساره ـ دورا واحدا وعلى يمينه دورا واحدا..."

ثم قال: "فيدور نصف دور، ثم تقلبه على يده الأخرى فتديره أيضا نصف دور تفعل به ذلك مقدار ميدان."


وقال چون آدمز :

"وأُوصي بأن يتم التدريب بنفس القدر إلى الجهة اليسرى كما اليمنى."

وقال: "إذا تم تليين الحصان بشكل متساوٍ على الجهتين (اليمين واليسار) كما ورد سابقًا، فيمكنك أن تتوقع ـ بشكل معقول ـ أنه سيبدل ساقه بسهولة دون عناء كبير لك أو له."

وقال البارون هيرفي: 

"حيث يدور الحصان في دائرة بالتناوب على اليد اليمنى واليسرى."

وقال ادوارد اندرسون:

"في الاتجاهين، على دوائر كاملة ذات قطر كبير."

إن هذا المبدأ يتوافق مع تركيبة الحصان الإدراكية، حيث أن الحصان يدرك بكل جانب علي حدة، وكذلك يتوافق هذا المبدأ مع قاعدة التوازن العامة من حيث الحركة، والوزن، والقوة.


عزيزي القارئ ها هي" الدائرة " قد جمعت الراضة العرب الأوائل مع من جاء بعدهم بقرون ، فإنْ تَباعد الزمان فالأصول تجمع الكل، والتطوير المستمر يسير كقافلة جاءت من جزيرة العرب لتجوب أنحاء العالم.

فلا تجعل القافلة تفوتك، وإن لم تركب معها ، فخذ منها ما ينفعك يوما ما.


مع تحيات الأكاديمية الكلاسيكية للفروسية 

الثلاثاء 20 محرم 1447 هجرية 


حدث في مثل هذا اليوم 

942 هـ: الإسبان بقيادة الملك كارلوس الخامس يسيطرون على مدينة تونس، ويرتكبون فيها مذبحة رهيبة راح ضحيتها 30 ألف شخص، واستعباد عشرة آلاف امرأة وطفل، وإحراق عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات النادرة، وهدم عدد من المساجد والمدارس والقبور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما لا يسع الفارس جهله

الفروسية العربية التراثية، جذور وأصول للفروسية الكلاسيكية

الفروسية وضرورة العلم بها