الوزن والاتزان في الفروسية

مما لا يخفى على كل من ركب الخيول، سواء المبتدئين منهم والمتقدمين، أن الاتزان يعتبر من أخطر العوامل في العلاقة الحركية التوافقية بين الفارس والفرس، ولذلك أولاه الراضة اهتماما بالغا، من حيث مظاهره وكيفية تحقيقه، والحفاظ عليه واستغلاله والوقاية من اختلاله، وذلك لأن الاتزان فطرة تطلبها الأجسام تلقائيا، وبما أن الفروسية تجمع بين جسم الفرس وجسم الفارس إذا فإن الاتزان عامل مشترك ينبغي أن يتحقق لدى الطرفين، وهذا ما جعلنا نطرق هذا الباب، طالبين فهمه وإدراك ماهيته وكيفيته.

تناسق التراكيب وعلاقتها بالاتزان:

 عندما بدأ محمد بن يعقوب 200هـ كلامه عن صفات الخيول العتاق أي؛ العربية الأصيلة، أشار إلى صفة حمل الوزن مع الحركة، فذكر في البداية، أقوى الدواب في الحمل مع السرعة وأسرع الدواب في الجري مع حمل الوزن، فقال:

"وإذ كان العتق من الخيل أَصبر البهائم وأشدها سكة، وأخف الدواب كلها مؤونة في العلف والشرب عند ضيق الأمر في ذلك،  فكان يكفيها في السرايا والمفاوز والأسفار القليل منه، ثم قسنا عليه في شدته، فوجدنا أشد البهائم وأقواها على الأحمال الثقال الإبل، فأصَبْنا البازل الشديد أكثر ما يحمل ألف رطل، فإذا حَمَل هذا المقدار لم ينهض إلا بعد الجهد، ورأيناه لا يجري بحمله؛ وكذلك سائر البهائم التي توصف بالشدة والحمل للأحمال الثقال. ورأينا جميع الوحش الموصوف بشدة الجري، لو حَمَل بعض الثقل لم يؤد بعض جريه.."

فهنا نراه قد وصف حال الإبل مع الحمل لا تستطيع القيام إلا بجهد، فكيف بالجري، ثم وصف أسرع الدواب في الجري، وحالها في عدم القدرة علي الجرى مع بعض الأحمال.

ثم قال:

"فوقفنا على أن الفرس يحمل من فارسه وآلته وتجفاف إن كان عليه، وسلاحه وجوشنه وغير ذلك، مع عَلَمٍ في يوم ريح، ربما ألف رطل، ويجري به يوماً جريدا لا يكاد يمل ولا يجد الجوع ولا العطش؛ فعلمنا أنه لا شيء من البهائم أشد ولا أصبر ولا أكرم ولا أجود من الفرس". 

وهنا يظهر التمايز والتقدم للخيول عن النوعين السابق ذكرهما في قدرة الخيل علي الجرى الطويل مع الحمل الثقيل.

وهذا تماما هو المعني الذي تضمنه كلام

 تشالرز هاميلتون سميث 1820م

 CHARLES HAMILTON SMITH

حيث قال:

'فعند الأخذ في الاعتبار أن سرعته _أي الحصان_ دائمًا ما تُقاس مع الوزن الزائد لراكب فوقه، فإن تلك السرعة التي تقرب من ميل في الدقيقة، وأربعة أميال في حوالي ست دقائق ونصف، قد تم حسابها بما يعادل حوالي 82 قدمًا ونصف في الثانية؛ وهي سرعة تفوق ما يمكن أن يحققه غزال نشيط أو أسرع كلب صيد، دون أن يكون مثقلاً بأي وزن خارجي.

مثل هذه السرعة، إلى جانب قدرات التحمّل، تجعل الحصان متفوقًا بحق على جميع رباعيات الأرجل الأخرى؛ فنحن نعلم ما الذي يمكن أن تحدثه زيادة وزن قدرها رطل أو اثنان على سرعة خيول السباق، ومع ذلك، يستطيع الحصان أن يحمل راكبًا ثقيلًا، ويُجاري نعامةً في عدوها، بل ويتفوق على غزال، ويواصل الركض في شمس الصحراء المحرقة لمسافة تتراوح بين 60 إلى 80 ميلًا دون أن يُرخى له اللجام."

وهنا نجد الاتفاق بينه وبين كلام محمد بن يعقوب في وصف قوة الخيول، وقدرتها الحركية مع الوزن.

ثم أكمل محمد بن يعقوب كلامه عن مميزات تراكيب الخيل، ونبه علي تأثير أوزان أعضاء جسد الحصان في اتزانه أثناء الحركة السريعة، فقال :

"وأما ما احتيج إليه من طول عنقه، فلما يستعين بها في حضره ويستند إليها."

فهو يشير أن بعض من تراكيب الحصان تؤثر من حيث جودتها مثل الرقبة تعين الحصان علي السرعة، وتعينه علي الاتزان بالاستناد إليها، ولأهمية هذا الأمر فقد ذكره الكثير من المروضين علي مر العصور ، فعلي سبيل المثال نجد كولونيل هنري لويس بلاك بيلر ( المدرب الرئيسي في مدرسة الفرسان في سومور ) سنة 1910م تقريبا

Colonel Blacque Belair 

يقول:

"كما أن البنية الجسدية للحصان تؤثر بدرجة كبيرة في الكيفية التي يستخدم بها قواه؛ فالحصان الحسن التكوين والتراكيب يكون أكثر قدرة على تحقيق التوازن تحت وزن الفارس، لأن قواه تُنقل إلى الهيكل العظمي في أفضل ظروف حركية ممكنة."

وهنا يجب ان ننتبه جيدا إلي أمر في غاية الأهمية، ألا وهو: أن مدى إدراك الفارس لجودة تراكيب الحصان من عدمه، يساعده علي أن يدرك مواطن الخلل في الاتزان، وقد أفرد محمد بن يعقوب بابا ماتعا في وصف الخيل، وما هي مواصفات الجودة، وما هي المواصفات التى يُعفى عنها، ومالا يعفى عنه من الصفات، وسنتناوله بالشرح إن شاء الله تعالى.

إنّ (سميث) عندما تكلم عن حصان مميز، وذكر سبب هذا التميز، قال :

"ويُعزى ذلك إلى مرونة بنيته وتكوينه الجسدي، وإلى زاوية الكتف، واتساع الجذع الذي يتيح حرية لحركة الرئتين، واتساع الكفلين، وقوة الساعد، وتماسك القدم مع الحافر، وخفة الرأس والرقبة."

وبناءا علي ما سبق من كلام ابن يعقوب وغيره؛

فإذا أراد الفارس أن ينتقي جوادا فلينظر إلي تناسق تراكيبه وحسنها لما يضمن له ميزانا حركيا.


إعداد المنظومة الحركية، ضرورة لتطوير الاتزان

بعد انتقاء الفارس للجواد الحسن، يبدأ بإعداد قوته وهيكله لأن القوة العضلية عامل شديد التأثير في عملية الاتزان ولذلك أول ما بدأ به ابن يعقوب بعد ذكر تراكيب الخيل وصفاتها هو باب (إضمار الخيل)، وهو الإعداد العضلي الحركي .

وأول ما ذكره ابن يعقوب بهذا الصدد، وبكلامه عن بداية الركوب، نبه علي أمر في غاية الأهمية، حيث قال:

"وانظر أن تحتال أن تحمل علي فرسك غلاما خفيفا، فلم أرَ أعجب من الخِف، واعلم أنه يظهر علي الجواد خف ثلاثة أرطال في الفارس، فافهم هذا القياس، ولفارس خفيف خير من الفارس جيد الركوب " أي مع ثقل وزنه.

وهذا ما يقرره المروضون علي مر العصور بأنه لا فائدة من محاولة تدريب الحصان علي الأداء الحركي الرياضي ـ أو كما يسموه الحركات المدرسية ـ قبل أن يتم تعليمه كيف يحمل نفسه بتوازن تحت راكبه, فبغض النظر عن مدى توازن الحصان طبيعيًا، فإن الأمور تتغير عندما نضع لجامًا في فمه يقيّد حركاته الإرادية، ونضع على ظهره وزن رجل مع عدته، ولذلك، يجب إعداد الحصان بعناية ليتكيف مع هذه الظروف الجديدة.


الاتزان ورياضة الخيل

إن رياضة الخيل في أساسها قائمة على إدارة الوزن والقوة، فبعد أن تقوم بإعداد حصانك بشكل يسمح بأداء المهام الرياضية، عليك أن تحسن إدارة هذه القوة العضلية لما يتناسب مع متطلبات التوازن الحركي ، ولذا فقد انتقل محمد بن يعقوب من باب الإضمار، إلي باب الرياضة، وجعل في مقدمة باب الرياضة تذكيرا علي تكوين وتراكيب الحصان، ونصح بعدم إهدار الوقت والمجهود مع حصان سيئ التراكيب، فقال:

"الرياضة غير نافعة إلا للمطبوع التام الخلق..... ثم قال : ومن أين يمكن إصلاح ما خلقه الله ناقصا إلا بإتمام النقصان، وذلك غير كائن" ثم قال:

"وإنما الرياضة نافعة ومنجعة في الذكي التام الخلقة المطبوع."

وقد أشار بوشيه إلي نفس الأمر، فقد قرر أن بعض العيوب في الخيول أثناء الركوب، تكون بسبب التكوين، فقال :

"من السهل الآن أن نفهم من أين تنشأ أشكال المقاومة. سواء قام الحصان بالرفس من الخلف، أو ارتفع قائمًا، أو اندفع هاربًا، فإن السبب دائمًا هو أن مركز الثقل في الموضع الخطأ.

هذا السبب نفسه ناتج عن تكوين جسدي معيب لا يمكننا تغييره، صحيح، لكن يمكننا دومًا تعديل آثاره.

فإذا رفس الحصان، يكون مركز الثقل في الكتفين.

وإذا ارتفع قائمًا، يكون في العجز (المؤخرة).

وإذا اندفع هاربًا، يكون مركز الثقل متقدمًا أكثر من اللازم إلى الأمام.

لذلك، يجب أن يكون التفكير الأساسي للفارس هو الإبقاء على مركز الثقل في منتصف جسم الحصان، لأنه بذلك يمنعه من الدفاع عن نفسه، ويعيد قواه  ـ حتى في الحصان سيئ التكوين ـ إلى مواضعها الصحيحة، تلك المواضع التي توجد طبيعيًا في أفضل الخيول تكوينًا."

انظر عزيزى القارئ إلي تفرقته بين الخيول من حيث التكوين، ومدى أهمية جودة التراكيب في ضبط الاتزان.

الاتزان والوزن وعلاقتهما بالمساعدات 

إن الاتزان أمر بالغ الأهمية في منظومة الفروسية ، ولذلك اعتبره الراضة من المساعدات الطبيعية مع العنان والقدم، وهو ما أطلقوا عليه حديثا استخدام المقعد، فقد انتشر في الفروسية الكلاسيكية بلفظ الوزن وذكره محمد بن يعقوب بمصطلح الميل، فقال :

"ربما احتاج أن يميل يمنة ويسرة، أو إلى ما بين يديه أو إلي خلفه، أو يحتاج أن يشد رجليه في الركاب، كل هذه الحركات يحتاج أن يفهمها الفارس ويؤَدب بها حتى يكون مستويا مؤَدبا في كل حال يحتاج إليه صاحبه."

وهذا ما ذكره كولونيل هنري بيلر، إذ يقول:

"في المشي، والتوقّف، والانعطاف، والحركات الجانبية، يستطيع الفارس ـ من خلال نقل وزنه إلى الأرداف أو الفخذين في اتجاه الحركة ـ أن يجعل استجابة الحصان أبسط وأسرع."

وقال بالعبارة المباشرة:

"ومن خلال الوسائل الطبيعية (الأرجل، اللجام، والوزن) يُمكن للفارس أن يمنح الحصان الوضعية المطلوبة والاندفاع المناسب لتنفيذ الحركة المرجوة."

ثم قال:

"عندما يكون الحصان مُمتطًى، فإن الكتلة التي تتحمّلها أرجله لا تقتصر فقط على وزنه هو، بل يجب أن يُضاف إليها أيضًا وزن الفارس، وخاصة الجزء العلوي من جسده، الذي ـ عند تحريكه ـ يُسهم بشكل كبير في التعديلات التي تُحدثها المساعدات في توازن الحصان.

ولذلك من الضروري تنبيه الفارس إلى ألا يُعارض حركة الحصان بتوزيع خاطئ لوزنه، بل عليه أن يُساعد الحصان على تلك الحركة من خلال وضع وزنه بطريقة تُعزّز الاتجاه المطلوب."

وهذا ما قرره محمد بن يعقوب، في التحذير من الإخلال بالتوازن، بل بالحفاظ علي صفاء ووضوح التواصل بالوزن، إذ يقول:

"ولا يتحرك على دابته إلا بغعلة نافعة"

وجاء في كتاب فن الركوب:

"لذلك، ينبغي أن تبقى الأجزاء غير المتحركة، كما أُشير سابقًا، ساكنة تمامًا، بحيث لا تتلوّى أو تتأرجح بطريقة تُربك الحصان أو تجعل مقعد الفارس ضعيفًا وغير ثابت."

وهذا لأن الميل علي الدابة يعتبر أمرا مباشر التأثير، فعلى الفارس استغلاله للتأديب، فعلي سبيل المثال ، ذكر محمد بن يعقوب أن غاية الرجوع بالحصان إلى الوراء تكون بالميل:

" وغاية استوائه في الرجوع إذا مِلت عليه إلى خلف رجع.."

ولتحقيق هذا الأمر ينبغي أن يكون الفارس متزنا ثابتا ، يقول ابن يعقوب:

"فالأصل الأول الذي هو الرأس ، ولا تتم فروسية إلا بإحكام وجوده؛ الركوب والثبات...."

ثم يقول :

"واعلم أنه إذا لم يحكم أصل الشئ وأساسه، لم يتم الفرع، وأصل الفروسية الثبات ..."

وقال أيضا: 

"إنما الفارس الكامل الفروسية، الجيد الثابت اللبق، كأنه ثابت في ظهر فرسه"

ثم يصف مجلس الفارس في السرج فيقول:

"يقعد مستويا منتصبا، غير متبازخ ولا منحني، ولا يتصدر التصدر الفاحش.." 

ثم قال :

"وعدل بين منكبيك وظهرك، كما خلقك الله تبارك وتعالى مستويا، لاتنحني ولا تستلقي، وأحكم في السرج مجلسك، وألزم فخذيك الدفتين، وتفقّد رجليك وقدميك في الركابين........إلي أن قال: ولم تتحرك إلا بلباقة"

وقال أيضا : 

"وأصحاب الخيل المعاتيق يرون الركوب بأفخاذهم، ليستعلوا علي ظهورها، ويكون الثقل عليها أيسر، وذلك خاصة في العدو، فإن الراكب بفخذيه، المعتمد على ركابيه كالقائم، فهو أثبت له في سرجه، وأمكن له إذا كان قد أشغل يده....."

ثم يذكر جلسة أخري، قائلا: 

"وأصحاب الهماليج يرون الركوب علي الأليّة، ليحملوا علي رجلي الدابة الثقل، وتلك عادة ردية غير نافعة......." ثم يختم كلامه قائلا:

"وليس عماد الأمر في الركوب وجودته، إلا بالفخذين...."

وهذا هو الأصل الأصيل في فن تناغم الفارس والفرس ، فقد جاء ما يطابق كلام محمد بن يعقوب، في كتاب ( فن الركوب )  :

"يجب على الفارس أن يجلس جيدًا على السرج ومنغرسًا فيه، إن جاز التعبير، وليس على مؤخرته فقط.

ينبغي أن يستقر وزن الجسد بثبات على ظهر الحصان، مع بقاء الرأس والكتفين في وضع منتصب، أو مائلين قليلًا إلى الخلف.

يجب ألا يكون هناك أي ميلان، أو تدلٍّ، أو جرّ، أو شدّ في الجسد، بل إحساسٌ كامل بالراحة في كل العضلات."

ثم يكمل السياق:

"يجب ألا يكون هناك أي جهد محسوس للجلوس بهذه الوضعية المريحة؛ لأن الراحة والجهد، في هذا السياق تحديدًا، متضادان.

ويمكن للمتدرّب أن يعرف أنه طالما شعر بالحاجة لبذل جهد كبير، فهو لم يكتسب بعدُ جلسةً مريحة، وبالتالي هي ليست طبيعية.

ولتكن الساقان متدلّيتين براحة إلى جانبي الحصان، دون أي انقباض في العضلات."

وقد أعجبني هذا التعبير:

"باستخدام تعبير شائع في هذا السياق، يجب على الفارس أن «يُعلّق ساقيه ليجفّا»، أي أن يدعهما تتدليان بحرية تامة."

عزيزى القارئ:

إن إدارة الوزن، والاتزان، والقوة لدي الفارس والفرس علم ومهارة وخبرة يجب أن يسعى كل فارس ومدرب إلي فهمها ومعرفة مراحلها، لكل من الفرسان والخيول، فهي عماد الانضباط والتناغم الحركي بين الراكب ودابته، وهي سبيل التطور في فنون الفروسية المتنوعة، وغاية كل من ركب الخيول من قديم الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مع تحيات الأكاديمية الكلاسيكية للفروسية 

27 محرم 1447هـ


حدث في مثل هذا اليوم 

1215 هـ: إغلاق الجامع الأزهر أيام الحملة الفرنسية على مصر، وذلك عقب اغتيال كليبر قائد الحملة على يد سليمان الحلبي الطالب بالأزهر، وظل المسجد مغلقًا لأول مرة منذ إنشائه حتى خرجت الحملة من مصر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما لا يسع الفارس جهله

الفروسية العربية التراثية، جذور وأصول للفروسية الكلاسيكية

الفروسية وضرورة العلم بها